ابن سبعين

57

رسائل ابن سبعين

حيث كان يتوجه إلى قصده بمقصوده ، ثم إلى مقصوده خاصة ، ثم إلى بده بحذف الوسائط كلها بوجه ما فيراه على بعد ، ثم يتوجه إليه بقصد آخر وتوجه أكمل فيراه على قرب بالإضافة إلى الأول ولا لشيء في نفسه . ثم وصل ثم اتصل كان حيث لامكان ولا زمان ثم خرج عن الكون وعن ذلة ، ثم انفصل وعلل انفصاله ، ثم اتصل وحقق اتصاله ، ثم شاهد ، ثم فني ، ثم ثبت ، ثم وقف ، ثم سلب لاسين ثم حصل بلواحقه على قبيل قاب قوسين ، ثم عرج به إلى آنيته الجامعة للآنيات ، ثم صرف على هويته الداخلة في سائر الهويات « 1 » ، ثم استخلف ، ثم ورث ، ثم حكم ، ثم زود إلى أكثر ، ثم بلغ إلى أكبر وأكبر من أن يقال له أكبر ، ثم لم يكن شيئا مذكورا ، ثم عرف البعض ، ثم أنشد في حاله بلسان حاله عقيب ترحاله : ألا كل شيء * ما خلا اللّه باطل ثم التزم الأدب ووكل الكل على الكل ، ثم قطع المسبب وأحال البعض على البعض ، ثم جرد السبب وجمع الفرع على الأصل ، ثم فرق المجتمع ، ثم أخلص بعد ألف إخلاص جاز عليه وقصد به إليه ، وأسلم وآمن بأحكام لم يسمعها قط ولا خطرت على قلبه ولا أبصرها ببصره ولا ببصيرته ودفع للحق ما يجب له ويجوز عليه ويستحيل في حقه ، وقبض من سلعة الخلاص وحكمة القصاص وأسباب السلامة وسير السلام وسلم ، وسلم عليه ، وعلم وعلم به وإليه ، وقطع عوالم الذات المجردة ومقامات النفوس المركبة المجددة ، وشرع في الرحلة إلى الحضرة المشار إليها عند الخاصة ، ودخل في عباد اللّه الصالحين ، وجعل نهاية نهاية نهاية لأقطاب بداية بداية بداية بدايته - فافهم . !

--> ( 1 ) الهوية بضم الهاء يراد بها عند الحكماء : الحقيقة الجزئية ؛ لأن ما به الشيء هو هو ، إن كان جزئيا تسمّى بذلك . وإن كان كلّيا يسمّى بالماهية ، وإن لم يعتبر فيه كلية ولا جزئية كان حقيقة ، فهي أعم منها . وهذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه عند السادة حيث أن الوجود الحق عندهم جزئي لا كلي : أي هو شئ واحد ظهر بكثرة إلا إنهم : أي السادة اصطلحوا على الهوية بأنها الوجود الحق الذي لم يؤخذ بشرط شيء ، ولا بشرط لا شيء ، فإن الوجود كما قدمنا إما أن يؤخذ لا بشرط شيء ، وهو الذات البحت . وإما إن يؤخذ بشرط شيء ولو كثرة ، وهو مقام الجمع المعبر عنه بالواحدية ، وإما أن يؤخذ لا بشرط شيء ولا بشرط لا شيء ، وهو هذه الهوية السارية بكل شيء ، أي شيء كان ، وهي الوجود الحق المذكور .